العملُ التطوُّعيُّ – عباد الله – لا يُحدُّ بحدٍّ، ولا ينتهِي بزمنٍ،...

  • بادئ الموضوع Mohammed A Alsubaie
  • تاريخ البدء

M

Mohammed A Alsubaie

:: مسافر ::

العملُ التطوُّعيُّ – عباد الله – لا يُحدُّ بحدٍّ، ولا ينتهِي بزمنٍ، وامتِدادُ حدِّه بامتِدادِ طبيعتِه؛ فكلُّ عملٍ احتِسابيٍّ لا نظرةَ فيه للأُجرة والمِنَّة فهو تطوُّعيٌّ إذا كان في وجهِ خيرٍ، وهو مُمتدٌّ ومُتَّسِعٌ بامتِداد واتِّساع كلمةِ "خيرٍ"، وهو هنا يختلفُ بعضَ الشيء عن العملِ الخيريِّ؛ لأن العملَ التطوُّعيَّ يكونُ بالمُبادَرة قبل الطلَب، بخلافِ العملِ الخيريِّ؛ فإنه – في الغالب – لا يكون إلا بعد الطلَب، وكلا العَمَلَيْن وجهان لعُملةٍ واحِدةٍ. مُحصِّلتُهما: بذلُ المعروف للناس دون أُجرةٍ أو مِنَّةٍ، وإنما احتِسابًا لما عند الله، (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان: 9].

هذه هي سَعَةُ الإسلام وسمَاحتُه ورحمتُه؛ إنه الحثُّ على البرِّ والتعاوُن عليه، وتلمُّس احتِياجات الناس.

والعملُ التطوُّعيُّ إنما هو ترجمانٌ لصورةٍ من صُور الإسلام الرَّاشِدة الخالِدة التي تتَّصِفُ بالشُّموليَّة وتنوُّع مجالات العمل التطوُّعيِّ، لتشملَ الأهدافَ التنمويَّة؛ ففي المجالِ الاقتصاديِّ يُمثِّلُ العملُ التطوُّعيُّ الاهتمامَ الدقيقَ من خلال بذل الأوقاف وتفعيل الوعيِ للأنشِطة الوقفيَّة؛ لأن لها أثرًا بالِغًا في تنميَة الاقتصاد؛ حيث تتَّسعُ الحركةُ الماليَّة مع حفظِ الأصول المُثمِرة من الاندِثار.

وقولوا مثلَ ذلكم في المجال الفِكريِّ، والاجتماعيِّ، والدعويِّ، وما شابَه، شريطةَ أن يخرجَ عن إطار الرَّتابَة والبُرود إلى دائرة المُواكَبة، ومُسابَقة الزمن، واستِقطاب الكفاءات، وإنشاء مكاتب الدراسات والبُحوث التي تُعنَى بحاجات المُجتمع وحُلولها، وتطرحُ الدراسات العلاجِيَّة والوِقائيَّة من خلال توعِية المُجتمع بقيمَة العمل التطوُّعيِّ، وأثره في التقارُب الاجتماعيِّ المعيشيِّ، والإحساس الدينيِّ.

فإن كلَّ مُؤمنٍ غَيُورٍ على أمَّته لتستوقِفُه ظاهرةُ العمل التطوُّعيّ في هذه الآوِنة؛ حيث باتَت من أبرَز الظواهِر الإنسانيَّة العالميَّة، فقد بلغَت في ديار غير المسلمين مبلغًا عظيمًا، مُحاطًا بالدقَّة والإتقان، والتفانِي، ورُوح الرجُل الواحد. في حين أنه ليستوقِفُ المُسلِمَ المُراقِبَ ما يُقارِنُه بين العمل التطوُّعيِّ في الغرب وما وصلَ إليه، وبين العمل التطوُّعيِّ في بلاد الإسلام، وما يُعانِيه من نقصٍ في المفهوم الحقيقيِّ له، والإعداد المُتقَن، ونسبة التأخُّر والتراجُع عما هو عليه المفهومُ عند الآخرين.

فإن من المُؤسِف جدًّا أن تكون جُملةٌ من النماذِج للعمل التطوُّعيِّ في المُجتمعات المُسلِمة تُقدَّمُ لهم على صورةِ عملٍ إجباريٍّ، أو واجبٍ لا يُمكنُ التراجُع عنه قبل أن يسبِقَ ذلكم تهيِئَةٌ نفسيَّةٌ، ودينيَّةٌ، واجتِماعيَّةٌ لفهم هذا العمل الجليل.

إذا يُمكن أن يُدرِك طلاَّبُ المدارِس أو الجامِعات معنى العملِ التطوُّعيِّ مثلاً حينما يُزجُّ بهم في وادٍ أو حيٍّ أو طريقٍ ليقوموا بتنظيفِه، كعملٍ تطوُّعيٍّ بقالَبٍ إجباريٍّ؛ لأنه أمرٌ من المدرَسة أو الجامِعة أو المعهَد أو ما شابَه، دون أن يسبِقَ ذلكم المُقدِّماتُ الأساس لإذكاء قيمة هذا العمل الشريف، وأن يسبِقَ ذلكم عنصرُ التخلِية والتصفِية لشَوائِبِ المِنَن التي اعتادَ عليه المُجتمعُ في حياته مُقابِلَ كلِّ عملٍ يكون.

وهذا ما يتعارَضُ مع العمل التطوُّعيِّ من بدايتِه؛ لأن العملَ التطوُّعيَّ يتطلَّبُ قُدرةً فائِقةً على العطاء دون مِنَّةٍ، أو ترقُّب أُجرةٍ؛ بل إن مبعثَه الحبُّ والعطف، والإحسان الذي لا يكترِثُ بماهيَّة الردِّ، وإنما يحرِصُ على رِضا الضمير وخُلُوِّه من التقصير، والخُذلان تجاه مُجتمعه.

ولا يُمكنُ لنا أن نتصوَّر حبًّا بلا عطاءٍ، ولا أن نتصوَّرَ عطاءً بلا حبٍّ، كما أنه لا يكونُ مُكتمِلاً ناجِحًا دون أن يكون عملاً مدرُوسًا ومُنظَّمًا، يعمُّ في الفهم والإدراك للدوافِع والمهارات، والمُقوِّمات الشخصية، والمبادئ المُعرِّفة بالعمل التطوُّعيّ ونُبْلِه وأثره على المُجتمع المُكوَّن مني ومنك، وقرابَتي وقرابَتك، وجيراني وجيرانك.

والمُجتمعُ الناجِحُ الكريمُ البارُّ هو من لا ينتظرُ أحدًا يقول له: أعطِني؛ لأن يدَه تسبِقُ سمعَه، وفعلَه يُغنِي عن قولِه.

هذا ما نقلته ( باختصار ) عن خطبة الجمعه الذي القاها فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - بعنوان: "العمل التطوعي .. أهميته وآثاره"، والتي تحدَّث فيها عن العمل التطوُّعي ومدى أهميته وعظيمَ أثره على الأفراد والمُجتمعات، وحضَّ المُسلمين عليه وذكرَ شيئًا من آثاره، وبيَّن أن المُسلمين أولَى به من غيرهم.

وللاستماع لكامل الخطبة اتبع الرابط التالي:
 
أعلى