معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم؟

الموضوع في 'أخبار المسافرون العرب' بواسطة مدينة مستقبل, بتاريخ ‏20 فبراير 2012.



  1.  معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم؟
    السؤال : قرأت في كتاب "مدارج السالكين" لابن القيم : يحكى عن بعض العارفين : دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها ، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام ، فلم أتمكن من الدخول ، حتى جئت باب الذل ، والافتقار ، فإذا هو أقرب باب إليه ، وأوسعه ، ولا مزاحم فيه ، ولا معوق ، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته : فإذا هو سبحانه قد أخد بيدي ، وأدخلني . " مدارج السالكين " . فما هو الذل ، والافتقار ، المقصود هنا الذي يوصل لهذا المقام العظيم ؟ يعني : هل يوجد في عبادة بعينها أكثر من أي عبادة ؟ فوالله محتاجون ، ضعفاء إيمانا . والله المستعان .


    الجواب :
    الحمد لله

    أولا:

    الحكمة من خلق الإنسان هي : عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات/ 56 .

    وأركان العبادة هي : كمال الذل والخضوع ، مع كمال المحبة ، لله تعالى .

    قال ابن القيم رحمه الله :

    وعبادة الرحمن غاية حبه ** مع ذل عابده هما قطبان

    وعليهما فلك العبادة دائر ** ما دار حتى قامت القطبان


    " النونية " ( ص 35 ) .

    وقال ابن القيم رحمه الله أيضا - :

    والعبادة تجمع أصلين : غاية الحب ، بغاية الذل والخضوع , والعرب تقول : " طريق معبد " أي : مذلل ، والتعبد : التذلل والخضوع ، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له : لم تكن عابدا له , ومن خضعت له بلا محبة : لم تكن عابدا له ، حتى تكون محبا خاضعا .

    " مدارج السالكين " ( 1 / 74 ) .

    وانظر جواب السؤال رقم : (
    48973 ) .

    فتحقيق الذل إذا يكون بتحقيق العبودية لله تعالى وحده ، والعبد ذليل لربه تعالى في ربوبيته ، وفي إحسانه إليه .

    قال ابن القيم – رحمه الله - :

    فإن تمام العبودية هو : بتكميل مقام الذل والانقياد ، وأكمل الخلق عبودية : أكملهم ذلا لله ، وانقيادا ، وطاعة ، والعبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل ، فهو ذليل لعزه ، وذليل لقهره ، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه ، وذليل لإحسانه إليه ، وإنعامه عليه ؛ فإن من أحسن إليك : فقد استعبدك ، وصار قلبك معبدا له ، وذليلا ، تعبد له لحاجته إليه على مدى الأنفاس ، في جلب كل ما ينفعه ، ودفع كل ما يضره .
    " مفتاح دار السعادة " ( 1 / 289 ) .

    قد يظهر الذل في عبادة أعظم منه في عبادة أخرى , وأعظم العبادات التي فيها عظيم الذل والخضوع لله هي : الصلاة المفروضة , والصلاة ذاتها تختلف هيئاتها وأركانها في مقدار الذل والخضوع فيها ، وأعظم ما يظهر فيه ذل العبد وخضوعه لربه تعالى فيها : السجود .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

    لفظ " السجود " ، فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع ، وهذه حال الساجد .

    " جامع الرسائل ، رسالة في قنوت الأشياء " ( 1 / 34 ) .

    ثانيا :

    أما الافتقار إلى الله فهو مقام عال يصل إليه العبد من طرق كثيرة ، لعل أبرزها : العبودية ، والدعاء ، والاستعانة والتوكل .

    1. فإذا تحصل العبد على مقام الذل لربه تعالى : ظهر مقام الافتقار ، وعلم أنه لا غنى له عن ربه تعالى ، بل صار مستغن بربه عن غيره ، فكمال الذل ، وكمال الافتقار : يظهران في تحقيق كمال العبودية للرب تعالى .

    قال ابن القيم رحمه الله :

    سئل محمد بن عبد الله الفرغاني عن الافتقار إلى الله سبحانه ، والاستغناء به ، فقال : " إذا صح الافتقار إلى الله تعالى : صح الاستغناء به ، وإذا صح الاستغناء به : صح الافتقار إليه ، فلا يقال أيهما أكمل : لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر " .

    قلت : الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه ، وهما عبارتان عن معنى واحد ؛ لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته ، وحقيقة العبودية : كمال الافتقار إليه من كل وجه ، وهذا الافتقار هو عين الغنى به .

    " طريق الهجرتين " ( ص 84 ) .

    2. ومما يظهر فيه مقام الافتقار إلى الله تعالى : الدعاء ، وخاصة بوصف حال الداعي ، كما قال موسى عليه السلام : ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) النمل/ 24 ، وكما قال تعالى عن أيوب عليه السلام : ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) الأنبياء/ 83 , وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلنى إلى نفسى طرفة ، عين وأصلح لى شأنى كله ، لا إله إلا أنت) رواه أبو داود (5090) ، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود" .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

    والمقصود هنا : الكلام أولا في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه ، واحتياجه إليه ، أي : في أن يشهد ذلك ، ويعرفه ، ويتصف معه بموجب ذلك ، من الذل ، والخضوع ، والخشوع ، وإلا فالخلق كلهم محتاجون ، لكن يظن أحدهم نوع استغناء ، فيطغى ، كما قال تعالى ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) .

    " مجموع الفتاوى " ( 1 / 50 ) .

    3. ومما يظهر فيه مقام الافتقار إلى الله تعالى : حين يستعين العبد بربه ويتوكل عليه .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

    إذا تبين هذا : فكلما ازداد القلب حبا لله : ازداد له عبودية ، وكلما ازداد له عبودية : ازداد له حبا ، وفضله عما سواه ، والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين : من جهة العبادة الغائية ، ومن جهة الاستعانة والتوكل ، فالقلب لا يصلح ، ولا يفلح ، ولا ينعم ، ولا يسر ، ولا يلتذ ، ولا يطيب ، ولا يسكن ، ولا يطمئن ، إلا بعبادة ربه وحبه ، والإنابة إليه ، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات : لم يطمئن ، ولم يسكن ؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ، ومحبوبه ، ومطلوبه ، وبذلك يحصل له الفرح ، والسرور ، واللذة ، والنعمة ، والسكون ، والطمأنينة .

    وهذا لا يحصل له إلا باعانة الله له ؛ فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله ، فهو دائما مفتقر إلى حقيقة : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) .

    " العبودية " ( ص 97 ) .

    والعبد مفتقر إلى الله تعالى في كل شيء ، في خلقه ووجوده وفي استمراره وحياته ، وفي علومه ومعارفه ، وفي هدايته وأعماله ، وفي جلب أي نفع له ، أو دفع أي ضرر له ، وهذا هو معنى : "لا حول ولا قوة إلا بالله" .

    نسأل الله تعالى أن يغنينا بالافتقار إليه .

    والله أعلم


     معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم؟
     معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم؟
    {$title}
     
    آخر تعديل: ‏17 مارس 2017
    الوسوم:
comments powered by Disqus

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...